امرأة مسلمة

أخلاقيات العمل في شهر رمضان المبارك

امرأة مسلمة

يُظهر كثير من الموظفين المسلمين خلال شهر رمضان المبارك تقاعساً عن العمل، وقد يتأخرون عن الدوام، أو حتى يأخذون قيلولة خلال ساعات الدوام، كما ويماطلون في أداء وظائفهم، وينجزون القدر الأقلّ منها حتى.

في الحقيقة إنّ هذه السلوكيّات لا تتناسب أبداً مع الروح الإيمانيّة التي يتحلّى بها هذا الشهر الفضيل. ليس هذا فقط؛ وإنّما هذه السلوكيات تؤثر بشكل كبير على أصحاب الأعمال والاقتصاد الوطني بشكل عامّ، لا سيّما في البلدان الإسلاميّة التي تتأثر بشكل كبير نتيجة هذا الأمر، وقد تتكبد عناء خسارة بلايين الدولارات.

ونتيجة تأثير هذا الأمر الكبير على الاقتصاد بشكل سلبيّ، فإنّ هيئة المتابعة والتفتيش في المملكة العربيّة السعوديّة قررت إرسال حملات تفتيشيّة على الأماكن الحكوميّة للتأكّد من وصول الموظفين على الوقت المحدّد للدوام، حيث إنّ ساعات الدوام الرسميّة لا تزيد عن الخمس ساعات يوميّاً خلال شهر رمضان (من الساعة العاشرة صباحاً حتى الساعة الثالثة ظهراً).

يقول الدكتور علي بن عباس الحكمي (عضو في هيئة كبار علماء الدولة ومجلس القضاء الأعلى): “إنّ الإهمال في أداء الوظيفة خلال شهر رمضان لا يجوز، كما ويخالف تعليمات ديننا الحنيف والشهر الفضيل”.

كما أنّ كثيراً من النّاس يعتقدون أنّ هذا الشهر مخصّص لإعداد الولائم وتناول الكثير من الطعام، ومشاهدة التلفاز، والسهر لوقت متأخر، هذه العوامل كلّها تؤثر على كفاءة الشخص طبعاً في وظيفته في اليوم التالي، وهذا لا يجوز ولا يصحّ كما ورد في تعليمات ديننا بخصوص أحكام هذا الشهر.

 

كيف تجد “الله” في عملك

كيف تجد الله

يحتاج المسلمون إلى إعادة بلورة تفكيرهم في مفهوم العمل بالنسبة لهم، لا سيّما خلال شهر رمضان المبارك، والذي يحاول فيه الكثير إيجاد توازن روحيّ والتأقلم فيما بين الروح الإيمانيّة الرمضانيّة وإنجاز متطلبات العمل، حيث إنّ الكثير منهم يكافح لإنهاء ساعات العمل للعودة للمنزل أو المسجد للاعتكاف والتعبّد، و “البحث  عن الله”.

فيما يخصّ هذا الأمر، فإنّ الشيخ عبد الحكيم مراد استطاع أن يرى هذا الأمر من منظور مختلف تماماً، فهو يرى أنّ “الله” لا يوجد فقط في الأماكن المقدسة، نحن من نستشعر بوجود الله من خلال محاسبة أنفسنا لنوايانا وأعمالنا. فرسولنا الكريم – صلّى الله عليه وسلّم – طلب المغفرة والرحمة لأولئك الذين عملوا في التجارة والبيع أيضاً، إذا أردت أن تبحث عن الله فستجده في كلّ مكان، وليس في مكان صلاتك فقط؛ استشعر بوجود الله في مكان عملك أيضاً.

وبناء على ما سبق، فإنّ الشيخ عبد الحكيم أطلق حملة توعية لاستغلال هذا الشهر الكريم أفضل استغلال، وقد ذكر في هذه الحملة نصائح مهمّة للموظفين وأرباب العمل فيما يخص أخلاقيات العمل في شهر رمضان، لنتعرّف عليهم خلال هذا المقال.

رمضان شهر العمل والإبداع

نصائح للموظفين خلال شهر رمضان المبارك

نساء عاملات

  1. عليك أن تحضّر نفسك لهذا الشهر، وأن تهيئ مديرك أنّك ستكون صائماً خلال هذا الشهر، لا سيّما إذا كنت تعمل مع غير مسلمين.
  2. حاول أن تلتزم بنفس عاداتك الروتينيّة في الأوقات العاديّة، خاصّة تلك المتعلقة بنومك، وطريقة أكلك، وحتى مشاهدتك للتلفاز (والتي يفضّل أن لا تفعلها). فإنّ لربّ عملك عليك حقّ بأن تؤدّي وظيفتك على أتمّ وجه وأكمله، وأنت بسهرك خلال الليل وعدم النوم كفاية تجهد نفسك، وقد تقضي يومك التالي ناعساً منهكاً وتحتاج للنوم، وتقصّر في عملك، وهذا أمر غير جائز وفيه تعدّي على حقّ رب عملك.
  3. يمكنك سؤال ربّ عملك إذا ما كان يسمح لك بإتمام عملك خلال الوقت المخصص لوجبة الغذاء فأنت لا تحتاج لهذا الوقت، كما ويمكن أن تقصّر الوقت الذي تستخدمه للصلاة وتنجز عملك فيه على أن يسمح لك بأن تغادر عملك باكراً حتى ترتاح. كما ويمكنك أن تسأله ما إذا كان يمكنك أن تستقطع من وقت “وجبة الغذاء”  لأخذ قيلولة قصيرة، وتعود إلى إنجازعملك  بقوة وهمة أكبر.
  4. لا تنسى أن تشرب قدراً كافياً من الماء والسوائل خلال فترة الإفطار والسحور، حتى تستطيع أن تبقى نفسك صاحياً وبتعب أقلّ، حيث إنّ عدم شرب السوائل خلال هذا الشهر سيضعف جسمك أكثر، ويقلّ عزمك وقوتك في إنجاز العمل.
  5. ناقش مدير عملك في مخاطر واحتماليات عدم حصولك على وجبة الغداء وتعبك من الصيام، حتى يشعر بك أكثر، لا سيما إذا لم يكن مسلماً.
  6. إذا كان في مكان عملك يوجد بقالة أو مطعم صغير، يمكنك المساعدة في ترتيبه وتنظيمه حتى يكون جاهزاً وقت الإفطار لغيرك من المسلمين، خاصة لمن يتطلب منهم عملهم البقاء لوقت أطول في العمل، ولا تنسى أن تشارك غيرك في إفطارك.
  7. يمكنك سؤال رب عملك ما إذا كان بالإمكان إعادة جدولة مهامك خلال هذا الشهر بما يتناسب مع طاقاتك، وإذا لم يكن هناك مجال أبداً ويصعب عليك الموازنة بين الأمرين يمكنك الأخذ بالفتوى التي تسمح لك بالإفطار في هذه الحالات، وقضاء الأيّام التي أفطرتها لما بعد انتهاء هذا الشهر.
  8. تجنّب الالتزام بأيّة وظائف إضافية خلال ساعات المساء، أو حتى السفر الذي سينهك جسمك أكثر ويضعفك من أداء عملك الفعليّ بشكل أفضل.
  9. حاول أن تتجنّب الشفتات الليلية إذا كان هناك مجال لذلك، حتى تدع لصلاة التراويح بعد صلاة العشاء وقتاً، وتخصص وقتاً إضافياً لعبادتك وصلاتك في هذا الشهر.
  10. يمكنك المشاركة في بعض الأعمال التطوعيّة كجزء من عمل الخير في هذا الشهر الفضيل، حيث إنّ الكثير من الشركات تخصّص ساعات عمل مدفوعة الأجر لموظفي شركتها مقابل إنجاز أعمال تطوعيّة في هذا الشهر.
  11. أعلم ربّ عملك بأنّك ستحتاج إلى عطلة ما بين يوم إلى ثلاثة أيّام عند نهاية هذا الشهر، على أن تعوّض ذلك في أيّام عطل الأعياد المسيحيّة.
  12. اعتنِ بنفسك جيّداً خلال هذا الشهر حتى تمدّ نفسك بطاقة سحريّة تساعدك إلى إنجاز مهامك على أتمّ وجه؛ كأن تحرص على تناول وجبة السحور، والتي يفضّل أن تحتوي على النشويات، حيث إنّ النشويات تمدّ جسم الإنسان بالطاقة لفترة أطول، كما وتخفّف من أعراض الخمول والكسل. وقد يعاني الكثير من الصائمين من الخمول نتيجة هبوط السكر خاصة إذا كان معتاداً على تناوله بكثرة في الأوقات العاديّة، ولذلك فإنّه عليك أن تبتعد عن السكريات، بالإضافة إلى الامتناع عن التدخين فالمدخنين أكثر من يعاني من آثار الصيام، وتظهر عليهم علامات العصبية والتوتر، ولذلك عليك كمسلم أن تبتعد عنه تماماً.

إنّ واجباتك الأخلاقيّة في العمل لا تقتصر أبداً على تعاملك مع ربّ عملك، والتزامك بأداء المهام التي عليك فقط، وإنّما عليك كمسلم أن تعكس أجمل أخلاقيات ديننا الحنيف، وأن تحافظ على هدوئك واتزانك حتى لو كنت تشعر بالتعب الشديد، سواء أكان ذلك في تعاملك مع غيرك من الموظفين، أو حتى في تعاملك مع المراجعين الذي هم الآخرين سيكونون صائمين في هذا الشهر، ويحتاجون منك إلى إنجاز عملك بوقت مناسب دون تعطيلهم أو إشعارهم بأنّهم عبء عليك لا أكثر؛ وما أكثر هذه المعاناة للأسف نعانيها!

 

رمضان شهر الإنتاجيّة

نصائح لأصحاب العمل في شهر رمضان الفضيل

ليس الموظف فقط هو من عليه واجبات وله حقوق، فكذلك الأمر بالنسبة لصاحب العمل، لو كنتَ ربّ عمل في شركة أو مشروع ما إليك هذه النصائح المهمّة للتعامل مع الموظفين المسلمين خلال الشهر الفضيل:

  1. حاول أن تقلّص “ساعة الغداء” المعتمدة في أيام العمل العاديّة، مراعاة لشعور موظفيك المسلمين الذي يجب أن لا يحاطوا بأشخاص يأكلون من حولهم.
  2. اطلب من موظفيك غير المسلمين عدم مناقشة أمور الطعام والشراب أمام موظفيك المسلمين.
  3. اسمح للمسلمين بأخذ قسط من الراحة خلال فترة الإفطار، حتى يتسنى لهم الإفطار مع عائلاتهم والصلاة.
  4. عليك أن تأخذ بعين الاعتبار أن تقلّص ساعات العمل للموظفين المسلمين، حتى يستطيعوا إنهاء دوامهم بوقت أقصر.
  5. إذا كان من الصعب إنهاء الدوام مبكراً، يمكنك السماح لموظفيك المسلمين بأخذ وقت قصير لقيلولة خلال وقت الغداء، حيث إنّهم لن يحتاجوا لهذا الوقت لتناول الطعام.
  6. إذا كنتَ تملك بقالة أو مطعم صغير في مكان مشروعك احرص على ترتيب وتنظيم الطعام للمسلمين لوقت الإفطار.
  7. حاول أن لا توكّل أحد موظفيك المسلمين بمهام ليلية، ودع غيرهم يفعل ذلك على أن يتم تعويض ذلك فيما بعد.
  8. لا تنسى أن تأخذ بعين الاعتبار “عطلة عيد الفطر”، والتي يحتاج فيها إلى عطلة من يوم إلى ثلاثة أيّام في نهاية شهر رمضان.

 

أخلاقيات العمل في رمضان

في حديث قدسيّ يقول رسولنا الكريم صلّى الله عليه وسلّم: يقول الله جلّ وعلا: “كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ”.

يحثنا رسولنا الكريم هنا على الالتزام بالأخلاق الحميدة، والأعمال الصالحة خلال هذا الشهر الفضيل، حيث قال في فضل هذا الشهر: “أيها الناس إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة، شهر هو عند الله أفضل الشهور وأيامه أفضل الأيام ولياليه أفضل الليالي وساعاته أفضل الساعات”.

فالله جلّ وعلا فرض علينا كمسلمين صيام هذا الشهر، وقضاء ليله في العبادات والنوافل، لنتقرّب به إلى الله أكثر من أيّ وقت آخر في أيّام السنة، وجعل مكافأة الأعمال الحسنة فيه مضاعفة أضعاف كثيرة.

إنّه شهر الصبر، وما جزاء الصبر إلّا الجنة، وهو شهر تزيد فيه الإيمانيّات والروحانيّات، كما وأنّ من يطعم صائماً في هذا الشهر يُعتق من النار، وله أجره وأجر من صام أيضاً.

من هذا المنظور، فإنّ المسلمين في كلّ أنحاء العالم يصومون منذ بداية هذا الشهر، مؤدين الواجبات المفروضة عليهم خلاله. ولكن للأسف الشديد، فإنّنا نلاحظ أنّ بعض الناس لا يزالون إلى يومنا هذا لم يفهموا فعليّاً روح هذا الشهر والحكمة من صيامه، ويتصرفون بطريقة مغايرة تماماً لما يجب أن يتحلّى به المسلم المؤمن.

بناء على هذه السلوكيّات السيئة خلال نطاق العمل وخارجه، وكما أنّ لصاحب العمل حقاً لدى المسلم العامل، فإنّه من المهمّ والضروري لكل مسلم أن يلتزم بحقوق غيره ولا يأكلها باطلاً، وأن يوجد توازناً حقيقيّاً بين حقوق الله وبين حقوق العباد حتى يتقرّب من الله عزّ وجل.

فقد نهى الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- عن الظلم؛ يقول في حديث قدسي شريف: ” قال تعالى: “((يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرماً فلا تَظَّالموا”.

 

إضاءة

شهر رمضان شهر العمل والعبادة، شهر ارتبط فيه تاريخ المسلمين قديماً بأعظم الإنجازات التاريخيّة التي سطر بها أهمّ التحوّلات في تاريخ إسلامنا الحنيف، وليس شهر التقاعس والكسل. أنا وأنت – كمسلمين- علينا أن نخلق بداخلنا دافعاً قويّاً للعمل بشكل أفضل، لزيادة الإنتاج والإبداع في هذا الشهر، حتى نستطيع أن نستغلّ كلّ القوى الداخليّة الكامنة فينا والتي يمنحنا إيّاها الصيام إذا ما أحسنّا استغلال هذا الشهر الفضيل.

 

إذا كنتَ لا زلت تبحث عن وظيفة حتى الآن، لا تستسلم واستغل أيّام وساعات فضيلة للحصول على ما تريد، يمكنك قراءة هذا المقال لمساعدتك أكثر، مع أمنياتنا لك بالتوفيق.

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *